Accueil Activités MPM مهن طيَّ النسيان والنموذج من مدينة اكادير

مهن طيَّ النسيان والنموذج من مدينة اكادير

0
PARTAGER

كتيرة هي المهن والحرف التي باتت مهددة بالزوال في المغرب ، وغالبا ما تكون الأسباب اجتماعية، فمعاناة العاملين في هذه المهن من بطالة مقنعة بسبب تراجع الإقبال عليها هو ما دفع ببعضهم إلى تغييرها.

من هذه المهن نذكر »مهنة الطَّرّاحْ » التي شهدت في الآونة الأخيرة تراجعا كبيرا بعدما حلت الأفران المنزلية العصرية محل تلك التقليدية الموجودة في الأحياء.أما مهنة  » النَّفَّارْ » فبدورها ليست بأفضل حال ومن المتوقع أن تتحول إلى مجرد مهنة تقليدية قد تندثر قريبا، »مهنة الإسكافي » أوما يصطلح عليه بالدارجة المغربية « الْخَرّازْ » هي بدورها مهددة بالزوال ومن المحتمل أن يفقدها المغرب مع الوقت بسبب اللآلات التي حلت محله وبهذا لم يعد ملجأ للناس.

ولا ينحصر الأمر في هذه المهن المذكورة فقط ، فلازالت كثيرة هي المهن التقليدية الأصيلة التي شهدت تراجعا ملحوظا في الإقبال عليها الأمر الذي جعل أصحابها عاطلين عن العمل ويفضلون ممارسة مهنة أخرى غير شرعية.

والنموذج الذي سنتناول مهنة مغربية قديمة عرفت بدورها تغييرا من الأمس إلى اليوم، شكلت جزءا من ثقافة المغرب وتراثه، توارثت جيلا بعد جيل، مهنة بدورها توشك أن تصبح جزءا من الماضي في طريقها إلى الاندثار، شكل صاحبها في الماضي حضورا متميزا في حياة الناس اليومية وأضحى كشخصية نمطية مغربية جذابة لدى الأجانب، تجاوزت شهرته الحدود وأصبح رمزا فلكلوريا بملابسه التقليدية العتيقة والغريبة أحيانا، ظهر في لوحات الفنانين الفرنسيين منذ مطلع القرن الماضي، إنه الساقي أو كما هو معروف في المغرب باسم « الْكَرّابْ ».

فهل هي مهنة تغني أو تقي الجوع؟ ما سبب تقلص عدد الْكَرّابْ حاليا؟ لماذا العاملين بهذه المهنة مسنين ومن جيل الأمس؟ هل لأنها مهنة لا تكلف مجهودا بدنيا؟ ام أن جيل اليوم لا يتجرءون على ممارستها وارتداء ملابسها؟ وما تخوفات العاملين بها؟ وهل لممارسيها الحق في الضمان الإجتماعي والتقاعد؟ تساؤلات وأخرى سنحاول الإجابة عليها في هذا الملف للتعرف أكثر على مهنة تَكَرَّابْتْ وإعطاء صورة حقيقية على أصحابها.

 وقع اختيارنا على مدينة اكادير المدينة التي كانت بالأمس جل ساحاتها وأحيائها وكذا أسواقها الشعبية آنذاك تعم بالْكَرّابْ. توجهنا إلى السوق البلدي  المعروف « سوق الأحد » المتواجد وسط المدينة والذي يعد من أكبر الأسواق النموذجية على الصعيد الإفريقي، سواء من حيث المساحة و من حيث المتاجر التي تدخل ضمن إطاره. قمنا بجولة داخل أروقة وممرات هذا الفضاء التجاري لعلنا نجد واحدا من موزعي الماء البارد لكن للأسف لم يظهر أثر لأي احد منهم، فليس مبالغا القول إن مهنة  » الْكَرّابْ  » باتت شبه منقرضة حتى أنه يصعب العثور على الأشخاص الذين اعتادوا ممارستها، فقد كنت بالأمس بمجرد ما أن تطأ قدمك أرض هذا السوق حتى يطالعك العديد من مزودي الماء الشروب.

وها نحن اليوم بمدخل الباب الثاني لسوق الأحد ننتظر بفارغ الصبر ظهور شخص اعتاد ممارسة مهنة شكلت جزءا من ثقافة المغرب وتراثه. بعد طول انتظار ها هو أخيرا يظهر لنا بصوت ناقوسه الذي يتردد صداه في السوق متجولا يوزع شربة الماء البارد مقابل دريهمات قليلة أو مقابل الدعاء له ولوالديه إذا لم تكن بحوزة الزبون تلك الدريهمات.

لقاء دافئ، أجراسه النحاسية تتلألأ من شدة الصقل والنقاوة، حين تنعكس عليها أشعة الشمس الحارة تخطف الأبصار. اتخذ منذ القدم لشخصيته ومهنته زيا متميزا يحرص على الظهور به دائما، لباسه أحمر مميز، حقيبة أو كما يطلق عليها الشكارة يضع فيها الدريهمات، قربة كبيرة من جلد الماعز أو كما نسميها « الكربة » مزينة بقطع نقدية قديمة وبعض الأكسسوارات التقليدية تعلق عليها كؤوس نحاسية لامعة. تَرازَة يضعها على رأسه وهي قبعة كبيرة بمواصفات محددة .

كان لنا لقاء معه حيث أجاب عن كل تساؤلاتنا وأوضح لنا كل ما يتعلق بهذه المهنة وسبب تشبته بها حتى الان رغم كل العوائق التي تواجهها، يقول « يصعب ايجاد الكراب حاليا فلا أحد يقبل على خدماتنا، فالقليل من لازال متشبتا من المسنين بهذه المهنة التي ورتناها أبا عن جد »، وبلغة منفعلة يجيب عن سؤال سبب عدم تواجد الشباب من ممارسي هذه المهنة  ويقول منفعلا  » الشباب مراضينش بهاذ المهنة » بنظره تنكروا لحرفة أحبها الأجداد وكانت مصدر رزقهم لسنوات طويلة.

وأبدى لنا رأيه بخصوص توقعاته حول مستقبل هذه المهنة قائلا « أتخوف من انقراض هذه المهنة بصفة نهائية وهذا ما أتوقع في المستقبل القريب، وهو يظهر من الآن »،أما بخصوص زيه فيقول « هاذ اللباس كنفصلوه بنفسنا والكربة كنصوبوها والدوزان ديالنا عندنا قديم بزاف وصعيب نلقاوه مزال فالسوق »،ويشير لا أحد يهتم بنا ولا يقدم لنا مساعدات لاقتناء لوازم المهنة خصوصا أن بعضها باهض الثمن كالأجراس النحاسية علما أنه من الصعب إيجادها، فلا حقوق ولا دعم نستفيد منه ولا ضمان اجتماعي، سواء  من طرف الدولة أو الجمعيات،للأسف فنحن في طي النسيان.

 لكن  لا ننكر مساعدات يقدمها لنا بعض المحسنين « الله يجزيهم » كما يقول، و أكد لنا أنه قام هو وبعض الْكَرّابْ بدفع طلب وبعض الوثائق والصور للاستفادة ولو قليلا من الدعم لكن لا مجيب رغم أن هناك فئات أخرى استفادت مؤخرا من الدعم ك « الْخَرّازْ » مثلا وغيرهم باستثناء ممارسين مهنة  » الْكَرّابْ  » كما جاء على لسانه.

  مهنة على وشك الإنقراض، ويرجع ذلك إلى العديد من الأسباب، فقد تراجع بشكل ملحوظ الإقبال على العمل بها نظرا لتدني دخلها وانعدام الإهتمام الحكومي بها. كان بذلك الْكَرّابْ صاحب هيبة في محيطه فالكل كان يحترمه حيث كان يوزع الماء بأوانيه النحاسية على المتاجر والبيوت في الأحياء التي لا توجد فيها صنابير ذلك قبل أن تنافسه المياه المعدنية المعلبة ليستغني الزبون بذلك عن خدمة الكؤوس النحاسية ويستبدلها بالكؤوس البلاستيكية.

كما أن المخاوف الصحية أصبحت تدفع الناس إلى العزوف عن الْكَرّابْ فقد أصبح للمواطنين هواجس صحية تمنعهم من مشاركة الأخرين في الشراب من نفس الكأس حتى لو كانت تلك الكؤوس نظيفة حيث يحرص الْكَرّابْ على تنظيفها أمام أي زبون قادم.

ولا تتعايش مهنة الْكَرّابْ مع برودة الطقس، فلا يجد زبائن يشكون العطش وبالتالي ينسحب معظم هذه المهنة من الشوارع والساحات والأسواق طوال فترة الشتاء. مما جعل الْكَرّابْ في العصر الحالي يتحول من مزود للماء الشروب إلى متجول بالأماكن السياحية للفت أنظار الأجانب من أجل التقاط صور فوتوغرافية معهم مقابل مبلغ يعد بالنسبة إليهم مبلغا محترما وقد يدفع به الحال أحيانا إلى طلب بعض الدريهمات من المارة ليسد بها حاجته أو يعيل بها أسرته وهذا حال الكثيرين منهم.

ومع كل هذا التغيير الذي شهدته مهنة  » الْكَرّابْ « ، لم تجد لها مكانا وسط الأجيال الشابة ومن النادر أن تجد في أشهر الساحات والفضاءات السياحية شابا يعمل فيها بل ومن المستحيل. وفي هذا الصدد يقول حسن في تصريح له للجريدة، وهو شاب في العشرينيات من عمره » في نظري هاذ المهنة كتجيني حشومة وعيب باش نمارسها ونلبس نلباسها  » واضاف « نحن في عصر التكنولوجيا وشخصيا عندي افاق كبيرة وهي بالنسبة لي مهنة أتذكرها منذ الصغر لا يمارسها سوى المسنين فقط وهذا لا يتلاءم مع المهن التي نحلم بممارستها وبعيدة كل البعد عن آمالنا.

ويذكر أنه بادرت بعض الجمعيات الإجتماعية الناشطة في المغرب خصوصا تلك التي تهتم بمكافحة التسول والفقر إلى رصد وتقديم المساعدات المالية للتخفيف من وطأة الفقر في أوساط سقاة الماء لكي لا يتحولون إلى متسولين موسميين غير أن بعض الْكَرّابْ استنكروا ذلك.

مهنة كانت ولازالت رمزا من رموز الكرم وحسن الضيافة، وعلامة مسجلة ترمز إلى السياحة المغربية في طريقها إلى الزوال، هجمة العولمة لم ترحمها، وزارة السياحة لم تنقذها، والحكومة لم تهتم بها، المواطن المغربي لم يعد مقبلا على خدماتها،فقد تغير الحال كما يقول المثل « دوام الحال من المحال ».غير أن عددا من الْكَرّابْ ما زالوا صامدين أمام الوسائل العصرية يشجعهم في ذلك أن أجيالا من المسنين مازال لها حنين الْكَرّابْ ، وما على قطاع السياحة إلا دعمها والمحافظة عليها ولو بالصورة فقط قبل انقراضها.

علام حياة
ماستر مهن و تطبيقات الإعلام
الفوج السادس
كلية الآداب و العلوم الانسانية
أكادير 

                   

LAISSER UN COMMENTAIRE

Please enter your comment!
Please enter your name here