Accueil Activités MPM Productions الكوميديا السوداء و مسرح العبث

الكوميديا السوداء و مسرح العبث

97
0
PARTAGER

ظهر مسرح العبث كاستجابة لمعطيات تاريخية و موضوعية حديثة، جعلته يختلف جذريا مع مكونات المسرح التقليدي، بل و غير جوهره، فالمنتسبون لهذا التيار وجدوا أن مجال الأدب والفن عجزت فيه المذاهب والاتجاهات السائدة في الإجابة على أسئلة العصر، فالأوروبي يعيش رغم حضارته المادية والازدهار العلمي، إلا أنه يعاني من فرديته وانعزاليته نتيجة لعدم قدرته على بناء علاقات إنسانية اجتماعية أساسية ومتينة مع الآخرين.

بدأت أولى معالم مسرح العبث تتشكل في مطلع القرن العشرين، بالذات عام 1953 مع الكاتب الايرلندي صامويل بيكيت، في افتتاح أول عرض لمسرحيته التي تحمل عنوان  » في انتظار غودو  » وتدور المسرحية حول رجلين يدعيان فلاديمير و استراغون ينتظران شخصا يدعى غودو. اتسم هذا العرض بغموض الفكرة و عدم وجود عقده درامية، و انعدام الحل لما عرضته المسرحية، فكانت مبهمة وغامضة، وحتى هذه اللحظة فإن الجدل السائد بين النقاد هو أن غودو لن يصل، ترك صمويل بيكيت خلفه ظاهرة أدبية فنية ثورية مؤثرة، ومثيرة للجدل اسمها العبث أو اللامعقول، حصل بعدها بيكيت على جائزة نوبل في الأدب عام 1969  تكريما له على أعماله التي تعتبر تيارا جديدا و أسلوبا متفردا في إنتاج الروايات و الأدب المسرحي. و أهم ما يميز أعمال بيكيت أنها بسيطة و جوهرية، كان هو و ألبرت كامو و يوجين يونيسكو وغيرهم من الكتاب الذين تأثروا بنتائج الحروب العالمية، رؤوا أن ما نجم عن تلك الحروب من سلبية خلقت نفسية سيطر عليها انعدام الثقة في الآخرين، ناهيك عن الانهيار والدمار المادي الذي طال أوروبا كلها.

فهم يرون أنَّ عالم الحروب و المواجهات الدموية و أوهام المجد الكاذبة وسيطرة النفوس وشحوب الروح والعقل، كرست فردية الإنسان في مواجهة المؤسسات القوية التي تقوم بوظائف السيطرة  والاستثمار وتغذية أرواح الناس وعقولهم بالخرافات وتجنيدهم للدفاع عن مكاسب نفس المؤسسات، أخذها مسرح العبث لتقديم صورة أكثر صدقاً للواقع باستخدام الصورة الشعرية و اللغة العكسية  لما تتسم به من غموض وتداخل للجزئيات وافتراضات للأشياء في غير موضعها لتجرد الواقع من إطاره المألوف من خلال استعمالهم أسلوب الهزل والسخرية، كونه موقفاً أخلاقيا معبراً عن التمرد الذي هو أحد أساليب اللامعقول للنزول الى أعماق النفس البشرية، واتخاذهم للحلم كونه يُبنى بخيال خاص لا يخضع الى قوانين المنطق مثيراً بذلك الإحساس بالقلق نحو الوجود لعكس ذات الإنسان المعاصر، ومعظم الموضوعات التي يركزون عليها في مسرحياتهم كانت تتخذ من القلق أشكالا خيالية وأسطورية عند شخصيات هذا المسرح، وعادة ما تنتهي المسرحية عندما تبلغ التساؤلات الوجود الإنساني، مثل الزمن والحياة والموت، لأنها اعتُبرت من مفاهيم العجز التعبيري للأشكال الفنية والأدبية، فجل اهتمامهم كانت موضوع الذات والخيال الإنساني.

كان النقاد أكثر حيرة من غيرهم في التعامل مع أعمال بيكيت، كونها جديدة و غير خاضعة لقواعد أرسطو، حين وضع أسس النقد الأدبي للمسرحية الجيدة، محددا عناصر نجاحها في ثلاثة : الزمان والمكان والحدث، و هذا ما هدمه بيكيت و باقي « العبثيون » جعلوا عنصر الزمن لا يمثل الجوهر، أما الحدث فلم يجعلوا له وجوداً في مسرحياتهم، وقلصوا الحوار وجعلوه مختصراً وغامضاً مبهماً، وإضافة إلى ذلك فقد عادوا بالمسرحية الى الفصل الواحد والعدد المحدود من الشخصيات.

الكاتب الايرلندي بيكيت كان نادرا ما يوافق على إجراء حوار صحفي معه، أو يحضر ندوة أدبية، وكان لا يحب الحديث عن كتبه، وظل على هذه الحال حتى قارب الخمسين، دون أن يحظى بأي قدر من الشهرة، و هذا ما صادفه الكثير من النقاد، أبرزهم هيوكنر الذي ألف كتابين عنه، حاول كثيرا أن يستخلص شيئا من الحوار معه حول أعماله، فلم يخرج من المقابلة إلا بدوار ذهني، مكتفيا بتذكر أقوال بيكيت له بمراجعة أعماله، فقد كان طوال عمره خجولاً، ميالاً إلى الصمت، يكره الاجتماعات العامة، حتى التفاصيل الخاصة بحياته أضحى من الصعب معرفتها، وعلى الرغم من غموض أعماله وحياته الشخصية، إلا أنه كان من أبرز الظواهر الأدبية، وأشهر الكتاب في القرن العشرين.

مسرح العبث و الكوميديا السوداء هي السخرية لمواجهة البؤس و الانطوائية التي يعانيها الإنسان الأوربي المعاصر والدفع به الى إعادة التساؤل من جديد، في فضاء أضحى أكثر المسارح الحديثة تحررا من القواعد و تجاوزا للأصول الدرامية التقليدية.

نورالدين أزرراد 
ماستر منهن و تطبيقات الإعلام، الفوج السادس
كلية الآداب و العلوم الانسانية – أكادير

LAISSER UN COMMENTAIRE

Please enter your comment!
Please enter your name here