Accueil Activités MPM الإعلام المغربي بين الإصلاحات و الإكراهات : التلفزة العمومية نموذجا

الإعلام المغربي بين الإصلاحات و الإكراهات : التلفزة العمومية نموذجا

0
PARTAGER

عرفت الساحة الإعلامية  المغربية في الآونة الأخيرة، سلسلة من الإصلاحات الشاملة ، فمن إنشاء الهيئة العليا للإتصال السمعي البصري و تحرير قطاع السمعي البصري سنة 2002 إلى  قانون الصحافة و النشر سنة 2016 ووصولا إلى المجلس الوطني للصحافة الذي يتم تفعيله هذه الأيام ،يمكن القول أن الحقل الإعلامي قد أعيدت هيكلته و تنظيمه من جديد.

هذه الإصلاحات كان القدر الأكبر منها على يد الحكومة و الأغلبية التي أفرزتها صناديق ألاقتراع في انتخابات ما سمي بفترة الربيع العربي ، و هي التي  لم تكن تتوانى في توجيه سهام النقد اللاذع للمشهد الإعلامي الوطني، و المطالبة، و بإلحاح شديد، بالتغيير و الإصلاح، عندما كانت في المعارضة، و لهذا كانت آمال المغاربة معقودة عليها و بشدة لإصلاح الوضع في ظل دستور 2011 التاريخي.

غير أن المهتمين بالمجال لم يلمسوا إلى حد الساعة تطورا ملحوظا يوازي على الأقل، الزخم و الهالة الإعلامية ، حتى لا أقول التطبيل و التهليل، الذي واكب موجة القوانين الجديدة، ولعل استمرار عزوف المغاربة عن متابعة القنوات التلفزية الوطنية مثلا ، استنادا على نتائج قياس نسب المشاهدة (وصلت نسبة مشاهدة القنوات الأجنبية في 2017 إلى ما يقارب50  في المائة حسب ماروك متري)، يعد دليلا على ذلك، و يدفعنا إلى طرح التساؤل:

أين يكمن الخلل؟ و ما هي العلل و المشكلات التي تواجه الإعلام المغربي في الوقت الراهن؟

لكل وسيلة من وسائل الإعلام خصوصياتها التي تميزها بل وقد تختلف بها كليا عن الوسائل الأخرى، و لذلك فمن الصعب إن لم يكن من المستحيل، الإحاطة بجميع مشاكل الإعلام الوطني في مقالة واحدة، و لذلك فإنني سأحاول التركيز على مجال السمعي البصري، و التلفزة العمومية منه على وجه التحديد، نظرا لما تكتسيه من أهمية تاريخية  و ما تحظى به من متابعة جماهيرية، فمعدل الفرد المغربي من مشاهدة القنوات الوطنية (رغم منافسة القنوات الأجنبية) بلغ 3 ساعات و نصف يوميا خلال شهر مارس 2018، حسب ماروك متري، مقابل ساعتين و 53 دقيقة كمعدل يومي لاستعمال الإنترنت مثلا، وبالتالي فالتلفزة هي بدون منازع الوسيلة الإعلامية الأكثر مشاهدة و متابعة في بلادنا.

بداية الإصلاح بدأت قبل ستة عشر عاما من الآن، حيث تم إحداث الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري (المعروفة اختصارا بالهاكا)، و ذلك بمقتضى ظهير شريف صادر بتاريخ 24 جمادى الآخرة 1423 موافق 2 سبتمبر 2002، و قد كلفت الهيئة بإعداد قانون رقم 03-77 المتعلق بالاتصال السمعي البصري و الذي سعى إلى إنهاء احتكار الدولة للقطاع و تعزيز الخيار الديمقراطي  الذي التزم به المغرب و تمتينا لأسس دولة الحق و القانون و لمجال الحريات العامة، و في إطار تشييد المشروع المجتمعي الحداثي الديمقراطي كما أعلن عن ذلك رسميا.

و من ثمار تحرير المجال السمعي البصري تحويل التلفزة المغربية إلى الشركة الوطنية للإذاعة و التلفزة،  في إطار القطب العمومي إلى جانب شركة الدراسات والإنجازات السمعية البصرية (سورياد- دوزيم)،  حيث استكملت إجراءات التحويل سنة 2006 بتوقيع دفتر تحملات وعقد البرنامج الذي يربطها بالحكومة.

بعد ذلك منحت الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري جيلين من التراخيص لإحداث قنوات إذاعية و تلفزية  من لدن متعهدين خواص، ، بعد التوقيع على دفاتر تحملاتها، حيث بلغ مجموعها 20 قناة، بما فيها  القناة التلفزية الخاصة الوحيدة لحد الآن ، « ميدي1 ت.ف ».

و بالنسبة للقنوات التابعة للقطب العمومي، فقد بلغ مجموعها 9 قنوات تلفزية وهي: القناة الأولى وقناة العيون الجهوية و القناة الثانية  والقناة الثالثة الرياضية  والقناة الرابعة التعليمية و القناة الخامسة المغربية و القناة السادسة الدينية و القناة السابعة للأفلام والقناة الثامنة الأمازيغية،بالإضافة إلى 15 قناة  إذاعية.

هذه الإصلاحات المتلاحقة جاءت  بإيجابيات كثيرة مثل تنويع العرض, لإرضاء جميع الأذواق و مواجهة التدفق الفضائي الأجنبي، وهكذا بدأت تجربة القنوات الموضوعاتية كقناة السادسة ذات التوجه الديني و التي تهدف إلى خدمة الوعي الديني و محاربة الفكر المتطرف و ربط المجتمع المغربي بتراثه و هويته، و قناة الرابعة التي تقترح برمجة موضوعاتية، متنوعة منصبة على تربية وتثقيف وترفيه أوسع فئة من الجمهور، و قناة الرياضية المتخصصة في الشأن الرياضي و القناة الأمازيغية التي تقدم برمجة ذات مرجعية عامة ومتنوعة، غالبية تعبيرها بالأمازيغية، تهدف إلى تلبية حاجيات الإخبار والثقافة والتربية والترفيه لدى أوسع فئات الجمهور المغربي الناطق بالأمازيغية.

هذه الحركية و الدينامية التي لا ينكرها أحد ، لم ترق إلى طموحات المواطن و لم تغير بوصلة متابعته و لا نسبة مشاهدته لصالح القنوات الوطنية، مما حذا بالمهتمين بالمجال، للبحث عن مكامن الخلل ، و التي حاولت حصرها و  تلخيصها في النقط التالية:

  • غياب الاستقلالية : لا تستطيع القنوات الوطنية تغطية و مواكبة الأحداث السياسية أو الاجتماعية التي تشهدها الساحة الوطنية إلا بعد فوات الأوان و من وجهة نظر رسمية واضحة الانحياز، في وقت تتكفل فيه وسائل التواصل الاجتماعي و المواقع الإلكترونية بنشر الخبر صوتا و صورة و أولا بأول، و بدل منافستها في نقل الحدث، تمتلئ برامجها التلفزيونية، في نفس توقيت وقوع الأحداث، بسهرات الغناء و برامج الترفيه، غير مبالية ،بما يحدث حولها أو في العالم، (زلزال الحسيمة ، أحداث الحسيمة ، المقاطعة..)، وإذا كان التعتيم الإعلامي زمن الثمانينات و التسعينات يمر بردا و سلاما على التلفزة، فإنه اليوم و أمام تطور شبكات التواصل الاجتماعي و تغلغل الانترنت لم يعد مقبولا بل أصبح يشكل في كل مرة فضيحة حقيقية، ويؤدي إلى تآكل ما بقي من مصداقية في رصيد التلفزة الوطنية.
  • ضعف الإنتاجات الوطنية : من أهم المشاكل التي تحول دون تطور المشهد الإعلامي المرئي هو ضعف الإنتاج الوطني كما و كيفا و خصوصا فيما يتعلق بالدراما و برامج الأطفال و الوثائقيات…، و يكاد يجمع النقاد أن هذه النقطة بالذات هي مربط الفرس في علاقة المواطن بالتلفزة، وذلك بقراءة بسيطة لنتائج قياس نسبة المشاهدة، التي تبين شغف المغاربة بالإنتاج الوطني بما فيها المسلسلات الأجنبية المدبلجة إلى الدارجة المغربية.
  • غياب نموذج اقتصادي لقنواتنا التلفزية : فمن أسباب هزالة الإنتاج الوطني هو ضعف الحكامة نتيجة غياب نموذج اقتصادي مما يؤدي إلى تخبط واضح في السياسات المتبعة وإلى وضعية مالية هشة .
  • غياب استراتيجيات على المدى المتوسط و الطويل: تساعد في ترتيب الأولويات و تحفيز المنظومة لبلوغ الأهداف.
  • غياب بعض التخصصات المهنية المهمة مثل برامج الأطفال التي يستوردها المغرب في الغالب، نتيجة عدم الاستثمار في العامل البشري و ضعف التكوين و التكوين المستمر.
  • تهميش الكفاءات الوطنية و خصوصا منها الطاقات الشابة، رغم أن المغرب يزخر بمواهب تستطيع الإبداع ، والدليل هو نجاحها خارج الحدود، و هو الأمر الذي يؤدي إلى نزيف الكفاءات والهجرة نحو ظروف العمل المالية و الإبداعية المحفزة.
  • الرغبة التي يبديها الصحافيون المغاربة في تسلق المراتب بسرعة، بينما في الخارج، يقضي الصحافي عمرا كاملا يمارس مهامه بشكل عادي وبحب كبير للمهنة، دون أن يكون همه الوحيد الترقي السريع.
  • عدم الإنصات لآراء و رغبات المواطن المغربي: كما هو الشأن في فضائيات أخرى خارج الوطن ،تمنح مشاهديها فسحة يعبر فيها عن رأيه في ما يُقدم له وفي ما يرغب فيه، عبر استطلاعات شعبية وحوارات مباشرة مع المواطنين في الشارع، وهذا ما يبرر التوجه صوب القنوات الخارجية بحثا عن الخبر الطري والتحليل المستفيض و المفيد.

أما بخصوص الحلول و الاقتراحات المطلوبة للتغلب على هذه المشاكل، فقد أبدى الكثير من المهتمين تفاؤله ،شريطة أن تكون  الرغبة في مواصلة مسلسل الإصلاح صادقة، والبداية بمنح الإعلام الوطني مزيدا من الاستقلالية  وهامشا أكبر من الحرية (على غرار النموذج الانكلوسكسونيbbc )، مع تكريس المهنية والمسؤولية واستحضار القانون وأخلاقيات المهنة، فالإعلام العمومي هو الواجهة الحضارية لأي أمة، يعكس عمقها التاريخي، و تطورها و رقيها المجتمعي ، ويستجيب في الوقت عينه لرغبات أفرادها ومتطلباتهم في الإخبار و التوعية و الترفيه، وبالتالي فإن لم يكن في مستوى التحدي و المسؤولية، فلن ينتج إلا الرّداءة و سيؤدي حتما إلى نفور المواطن و هجرته نحو أبواق إعلامية أخرى، لها بدون شك أهداف مغايرة إن لم تكن معادية للتوجهات الوطنية.

تحرير: محمد لعسيري……
إشراف : د.بكار دليمي

ماستر مهن و تطبيقات الإعلام ، الفوج السادس،

كلية الآداب و العلوم الإنسانية ، جامعة ابن زهر اكادير.

LAISSER UN COMMENTAIRE

Please enter your comment!
Please enter your name here